محمد متولي الشعراوي

1227

تفسير الشعراوي

إذن فالإنسان وإن كان واثقا أنه سيؤدى الأمانة إلّا أنه عرضة للأغيار ، لذلك قال الحق سبحانه : « وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ » فالكتابة فرصة ليحمى الإنسان نفسه من الضعف وقت الأداء ، فاللّه سبحانه وتعالى يريد أن يوثق الأمر توثيقا لا يجعلك أيها العبد خاضعا لذمتك الإيمانية فقط ، ولكنّك تكون خاضعا للتوثيق الخارج عن إيمانيتك أيضا ، وذلك يكون بكتاب الدين صغيرا أو كبيرا إلى أجله . ويقول الحق سبحانه : « وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ » وهذه الكلمة « وَلا تَكْتُمُوا » إنما هي أداء معبر ، لأن كلمة « شهادة » تعنى الشئ الذي شهدته ، فمادمت قد شهدت شيئا فهو واقع ، والواقع لا يتغير أبدا ، ولذلك فالإنسان الذي يحكى لك حكاية صدق لا يختلف قوله في هذه الحكاية حتى وإن رواها ألف مرة ؛ لأنه يستوحى واقعا . لكن الكذّاب يستوحى غير واقع ، فيقول كلمة ، وينسى أنه كذب من قبل فيكذب كذبة أخرى ؛ لأنه لا يستوحى واقعا . فكلمة الشهادة هي عن أمر مشهود واقع ، وما دام الأمر مشهودا وواقعا ، فإنه يلح على نفس من يراه أن يخرج ، فإياك أن تكبته بالكتم ؛ لأن كلمة « الكتم » تعنى أن شيئا يحاول أن يخرج وأنت تحاول كتمانه ، لذلك يقول الحق : « وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ » فكأن الطبيعة الإيمانية الفطرية تلح على صاحبها لتنطقه بما كان مشهودا له لأنه واقع . لذلك يأتي الأمر من الحق ؛ « وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ » . وقد يسأل الإنسان : هل الكتم هنا صفة للقلب أو للإنسان الذي لم يقل الشهادة ؟ . إن الشاعر يقول : إن الكلام لفى الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا وساعة يؤكد اللّه شيئا فهو يأتي بالجارحة التي لها علاقة بهذا الصدد ، فتقول : أنا رأيته بعيني وسمعته بأذني ، وأعطيته بيدي ومشيت له برجلي . إنّك تذكر الجارحة التي لها دخل في هذه المسألة .